أحمد بن يحيى العمري
157
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
فإن الخيل الأصايل لها ذكاء وحسن أدب وكرم أخلاق ، فربما لا تروث ما دام الملك راكبا عليها ، ولها إقدام في الهيجاء وصبر على الطعن . وكذلك الفيل فإنه يفهم الخطاب ، ويمتثل الأمر والنهي على ما سبق وصفه « 1 » كالإنسان العاقل . وأما مرتبة الإنسانية التي تلي الحيوان ، فإن أدنى مرتبة الإنسان رتبة الذين لا يعلمون من الأمور إلا المحسوسات ، ولا يرغبون إلا في زينة الدنيا ولذاتها من الأكل والشرب والنكاح . قال تعالى في تشبيههم بالحيوان ( إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ) فهم يرتعون في الدنيا كالخنازير والحمر ، ويدخرون ما يحتاجون إليه كالنمل ، ويتهارشون على حطام الدنيا كالكلاب على الجيف ، فهؤلاء وإن كانت صورهم صور الإنسان فإن أفعال نفوسهم حيوانية . وأما مرتبة الإنسان « 2 » التي تلي الملائكة ، فهي مرتبة الذين انتبهت نفوسهم من الغفلة ، وانفتحت منهم أعين البصيرة حتى نظرت بأنوار قلوبها ما غاب عن حواسها ، وشاهدت بصفاء جواهرها عالم الأرواح الملائكة ، وتبين لها سرورهم ونعيمهم ، فرغبت في ذلك ، وزهدت في نعيم الدنيا ، وأقبلت على تحصيل الآخرة ، فهم من أصناف الملائكة مع خلطتهم لأبناء جنسهم من الآدميين ، فإذا علمت هذه المقدمة وفهمتها علمت أن ذلك بتقدير حكيم عليم ، رتبها ترتيبا حكيما ، وأبرزها إبرازا عليما ، ذلك تقدير العزيز العليم . أما أقسام المعدنيات ( 77 ) فهي كما ذكرنا أجسام متولدة من الأبخرة والأدخنة المحتبسة في الأرض إذا اختلطت على ضروب من الاختلاطات ، مختلفة في الكم والكيف ؛ وهي إما قوية التركيب أو ضعيفة التركيب . والقوية التركيب إما متطرفة وغير متطرفة ؛ والمتطرفة هي الأجساد السبعة التي يقال لها
--> ( 1 ) : لم يسبق له وصف في الكتاب . ( 2 ) : من هنا ينظر في القزويني : عجائب المخلوقات ج 1 ص 311 فما بعد .